مؤلف مجهول
193
كتاب في الأخلاق والعرفان
واعلم أنّ الطبائع العظمى أربعة : الحرارة والبرودة والرّطوبة واليبوسة . اثنان منها فاعلان بإذن اللّه ؛ وهما الحرارة والبرودة ، واثنان مفعولان ؛ وهما الرّطوبة واليبوسة . ثمّ يتركّب من هذه المفردات الأربع امّهات مركّبات ؛ أوّلها النّار وهي حارّة يابسة ، ثمّ الهواء وهو حارّ رطب ، ثمّ الأرض وهي باردة يابسة ، ثمّ الماء وهو بارد رطب . وقوام كلّ شيء في العالم بهذه الأربعة ولا يستغني عنها شيء من حيوان ولا نبات ولا يقوم إلّا بها ، أعني الدّم والبلغم والمرّة الصّفراء والمرّة السّوداء ، ومن هذه المزاجات يكون أبدان النّاس وسائر الحيوانات . وذكر أطبّاء بابل أنّ البدن أربعة أجزاء : الأوّل منها : الرأس وما يليه ، فإذا اجتمع فيه فضول كان آية ذلك ظلمة العينين وثقل الحاجبين وضربات الصّدغين ودويّ الأذنين وانسداد المنخرين ، فمن أحسّ شيئا من ذلك فليأخذ إفسنتين « 1 » فيطبخه [ في ] شراب حلو مع أصول الشعير حتّى يذهب « 2 » نصف الماء ويتغرغر به في كلّ غداة ويأكل الخردل والعسل ، فإنّه إن أغفل عن ذلك أورثته وجع العينين والخنازير وأوجاع الرّأس الشّديدة الصّعبة مثل الصّداع الدّائم والحرقة في الحلق وغير ذلك . والجزء الثّاني : الصّدر ، فإذا اجتمع فيه فضول كان آية ذلك ثقل اللسان وملوحة الفم ومرارته وحموضة الطّعام يجدها على رأس المعدة والسّعال ، فينبغي لمن أحسّ ذلك أن يخفّف من طعامه ويتقيّأ فإنّه إن ترك ذلك أعقبه ذات الجنب ووجع الكلية والحمّى وغير ذلك من الأمراض . والجزء الثّالث : البطن وما يليه ، فإذا اجتمع فيه فضول كان آية ذلك التقطير ووجع الكليتين والاقشعرار ، فينبغي لمن أصابه ذلك أن يسهل البطن ويفرغ الفضول بالأدوية الّتي تلائم تلك العلل والأوجاع ، فإنّه إن أغفل عن ذلك كان خليقا أن لا يأمن
--> ( 1 ) . قال في بحر الجواهر : هو حشيشة فيه مرارة . . . ( 2 ) . في الأصل : يذهبه .